السبت 25 ذو الحجة 1441 هـ الموافق 15 أغسطس 2020 م


الأحد، 28 أبريل 2019 15:00 م عدد الزيارات : 620

بقلم | د. منصور صالح الوليدي

(أَبْيَنُ) اليوم محافظة يمنيّة شهيرة، تقع في قلب اليمن، تربط بين شرقه وغربه، وتتصل بشماله، وهي مطلة على الشريط الساحلي للبحر العربي، وفيها من الجبال والسهول والأودية ما يجعلها محافظة سياحية، غنية بثرواتها التي يمكن أن تجنيها برًّا وبحرًا.

أَبْيَنُ -أيضًا- كان لها اتصال بكثير من الدول التي قامتْ، وكان أبناؤها مشاركين في حضارات تلك الدول الغابرة، نشأ فيها العلماء، والدعاة، والقادة، والأدباء، ولهذا ورد ذكرها وذكر أبنائها في المصادر العلمية المختلفة.

ولقد كانتْ تراودني منذ أَمَد بعيد فكرة البحث عن (أَبْيَن) في المصادر اللغويّة؛ لمعرفة موضعها والمكانة التي يحتلها هذا الاسم في تلك المصادر، حتى يسّر الله لي كتابة هذا البحث الوجيز.

 

تمهيد:

من المهم أنْ يعرف القارئ أنَّ مناهج اللغويين في صناعة المعجمات متعددة، وطرائقهم في ذلك مختلفة، وأنهم قد ساروا في طرق شتّى رغبة في إيصال المعرفة إلى من يُنشِدها، فصنعوا معجمات الألفاظ، ومعجمات المعاني كما صنعوا كتب الغريب، والفروق اللغوية، والكتب القائمة على الحروف، وكتب الإنسان، والحيوان، والجبال، والوديان، والمياه، وغيرها.

 

موضع (أبْـيَـن) في المصادر:

لقد وضع اللغويون (أبين) في باب الثلاثي المزيد بالهمز، فعدوا (أَبْيَن) على وزن (أَفْعَل) فجعلوا الهمزة زائدة على الأصل الثلاثي المأخوذ من (ب ي ن)، وعليه فمن الطبيعي أن ترد (أَبْيَن) في بعض المعجمات في باب الباء، في حين ترد في معجمات أخرى في باب النون، بحسب المنهج المتّبع في المعجم.

 

همزة (أبْيَن) أمفتوحة هي أم مكسورة؟

الأصل فيها الفتح (أَبْيَن) على وزن (أَحْمَر)، قال أبو المجد إسماعيل ابن باطيش ت(655)ه: "و أَبْيَن بفتح الهمزة، وسكون الباء الموحدة، وياء، ونون: من مدن اليمن المشهورة" ، ولا يعرف اليمنيون فيها غير الفتح، حتى قال ياقوت الحموي ت(626)، ومثله عبد المؤمن البغدادي ت(739): "ولا يعرف أهل اليمن غير الفتح" .

ولكن اللغويين أجازوا الكسر أيضًا (إِبْيَن) وبعضهم أجاز إبدال الهمزة ياءً (يَبْيَن)، قال أبو حاتم السجستاني المتوفى في القرن الثالث ت(255) ه في كتابه تفسير غريب ما في كتاب سيبويه من الأبنية: "وقالوا: عَدَن أبْيَنَ، وعَدَن إبْيَن" ، وهذا الكتاب -كما يتضح من عنوانه- كتابٌ يشرح فيه صاحبه الأبنية الغريبة المذكورة في كتاب سيبويه، وبالنظر في كتاب سيبويه ت(180ه) نجد النصّ الآتي: "هذا باب ما لَحِقتْهُ الزوائد من بنات الثلاثة من غير الفعل، فالهمزة تَلْحَقُ أوَلًا فيكون الحرف على (أَفْعَل) ويكون للاسم والصفة، فالاسم نحو: أَفْـكَـلٍ، وأَيْدَعٍ، وأَجْـدَلٍ، والصفة نحو: أَبْـيَـضَ، وأَسْـوَدَ...ويكون على (إفْـعَـل) نحو: إصْـبَع، وإبْـرَم، و(إبْـيَـن)" ، والملحوظ على نصّ سيبويه أنه ذكر (إبْـيَـن) تمثيلًا على بناء (إفْـعَـل)، ولكنه لم يذكر تفسيرًا لـ(إبْـيَـن)، ولا غرابة في ذلك؛ إذ هو كتاب موضوع لقضايا النحو العربي، لا لقضايا المعجم، ولكن السجستاني كما تقدّم فسَّر كلام سيبويه تفسيرا جليًّا فقال: "وقالوا: عَدَنُ أبْيَنَ، وعَدَنُ إبْيَن" ، والملحوظ أيضًا أنَّ سيبويه ذَكَرَ البناء الصرفي (إبْيَن) بالكسر فحسب، ولكنه لم يقصر البناء على الكسر؛ لأنه ليس من قصد الكتاب، ولا من قَصْد الباب المذكور، أن يذكر الوجوه الواجبة في كل بناء، وإنما أراد ذِكْر الأبنية الجائزة في الأسماء.

قال أبو بكر الزبيدي الأندلسي ت(379ه): "قال أبو حاتم: سألتُ أبا عبيدة: كيف تقول: (عَدَنُ أبْيَنَ) أو (عَدَنُ إبْيَن) فقال: أبْيَنَ، وإبْيَن، جميعًا".

ويبدو أن هذ البناء (إفْـعَـل) قليل في كلام العرب، حتى قال الفارسي ت(377ه) معلِّقًا على مضمون كلام سيبويه: لم يأتِ شيء من كلام العرب على هذا البناء إلا اسمان: إبْيَن، وإشْـفَـى، وكلام الفارسي فيه دلالة على قلَّة الكلمات الواردة في هذا البناء، وإنْ كان النحويون -ومنهم سيبويه في النصّ السابق- ذكروا أسماء عدّة وليستْ اثنتين فقط كما ذكر الفارسي.

ويبدو أنَّ جميع اللغويين الذين أجازوا كسر همزة (أَبْـيَن) قد استندوا في قولهم هذا على قول سيبويه، وسيبويه إمام النحويين، وهو حجّة في نقله وحكمه، والإقدامُ على مخالفته أمر في غاية العُسْر، ولكن يمكن أن نضع الملحوظات الآتية على قول سيبويه:

1- استعمل سيبويه (إبْيَن) بالكسر، دون الفتح، ولم يُبيّن أيجوز الأمران: الفتح والكسر أم يُكتفى بالكسر فقط؟

2- لم يُفسِّر سيبويه معنى (إبْيَن)، ولم يتعرّض لشيء من ذلك، أهو عَلَمٌ للإنسان، أو لحيوان، أم لبلد؟ قال ابن سيده: "مثّل سيبويه بـ(إبْيَن) ولم يُفسِّرْه".

3- الذين فسروا كلام سيبويه وبيّنوا مقصوده ذكروا أن المقصود به هو موضع، وقرنوه بـ(عَدَن) وذكروا جواز الفتح والكسر. 

4- اليمنيون اليوم لا يعرفون الكسر، بل إن الكسر لم يعد معلومًا لديهم منذ مطلع القرن السابع، كما ذكر ذلك الحموي والبغدادي .

5- سيبويه لا يعرف اليمن ولم يزرها، وقوله مبنيٌّ على السماع، وإنْ كان حجةً في نقله، فربما كان الكسر في (أَبْـيَـن) لغة مهجورة، واستقرَّ الناس على الفتح وساروا عليه منذ أمَد بعيد.

يبقى اسم (يَـبْـيَن) بالياء الذي ذكرته بعض المعجمات، فهذا ربما يكون قد اُسْتُعمِل من باب التخفيف، والاقتصاد اللغوي، فالهمزة حرف حلقيّ يخرج من أقصى الحلق، بخلاف الياء فمخرجها من وسط اللسان، فلا يحتاج الناطق بها إلى جهد، ولعلَّ هذا هو ما دعا بعضهم إلى تخفيف الهمز، وإبدالها بالياء، فنطقوها هكذا (يَـبْـيَن).

 

علاقة (أبين) بالجذر اللغوي

إذا كانت الهمزة زائدة كما ذكر سيبويه، وذكره أصحاب المعجمات، فما علاقة (أبين) بجذرها اللغوي؟

لقد تحدثتْ المعجمات اللغوية عن هذا الجذر كثيرًا، وتوسعتْ في الحديث عن كل ما يتصل به، وقد جاء ذِكْر أبين في أثناء الحديث عن البين، ومن الأمور اللافتة وجود بعض أسماء البلدان والقرى مأخوذة من هذا الجذر.

ومما قالوا: (البِـيْن) بالكسر: الناحية

و(البِـيْن) أيضًا: الفصل بين الأرضين، وهي التخوم

وهي أيضًا: القطعة من الأرض قدر مدّ البصر.

وقد سمّى العرب قرى بـ(البين) فهي قرية قرب نجران، والبين قرية قرب الحيرة، و(بينون) حصن باليمن أيضًا، وهذا يدلّ على أنّ التسمية بهذا الجذر مستعمل في لغة العرب. 

و(أبين) كما نظنُّ ناحية ممتدة شرقي عدن، وهي أيضًا سهل ممتدٌ قدر مدّ البصر، وهي أيضًا فاصلة بين المرتفعات الجبلية والسهول الساحلية الممتدّة إلى عَدَن وما تلاها.

فإنْ صحَّ هذا الاستنتاج كانتْ (أبين) اسم تفضيل، وهي إما:

أ - (أبين) أي: من غيرها، فتكون بمعنى الأكثر امتدادًا من غيرها.

ب - وإما (أبين) الأكثر فصلًا بين الأرضين.

 

علاقة (أبْـيَـن) بـ(عَدَن) في المعجمات

ارتبط الاسمان (أبْـيَن) و(عَدَن) في المعجمات اللغوية، وكتب الغريب، ارتباطًا وثيقًا، فلا ينفكّ أحدهما عن الآخر، ولهذا يجد الباحث نفسه مضطرًا إلى البحث في الجذرين عند إرادة البحث عن أحدهما، فيمكن أن يجد (عَدَن) في الجذر (بَيَن) ويمكن أن يجد (أبين) في الجذر (عدن)؛ لتلازمهما.

 قال أبو عبيد القاسم بن سلّام ت(224ه) عند حديثه عن جزيرة العرب: "جزيرة العرب ما بين عَدَن أبْيَن إلى أطرار الشام في الطول". 

وقال ابن سيده ت(458ه): "والعَدَن: موضع باليمن، ويقال له: عَدَن أبْيَن". 

وجاء في كتاب النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ت(606ه): "وفيه ذِكْر (عَدَن أبْيَنَ) وهي مدينة معروفة باليمن، أُضِيفَتْ إلى أبْيَن بوزن أَبْيَض".

ومثل ذلك ذَكَرَ السخاوي ت(643ه)، والسيوطي ت(911ه)، والمرتضى الزبيدي ت(1205ه) . 

ولعلَّ السبب المباشر للارتباط الحاصل بين (أَبْـيَـن) و(عَدَن) هو ورودهما معًا في أكثر من حديث نَبَوي، مثل الحديث الذي رواه الإمام أحمد ت(241ه) -رحمه الله- فقد جاء في الـمُسْنَد:

 (عن ابن عباسٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلَّم: "يَخْرُجُ من عَدَنِ أبينَ اثنا عَشَرَ ألفًا، يَنْصُرُوْنَ اللهَ ورسولَه، هُمْ خَيْرُ مَنْ بَيْني وبَيْنَهم"). 

ولعلّ هذه المسألة تزداد اتضاحًا بالكشف عن معنى (أَبْـيَـن).

 

دلالة (أَبْـيَـن)

إنَّ تحقيق مسألة كهذه يحتاج إلى الرجوع إلى المصادر التاريخيّة، واللغويّة، وكُتُب الأنساب، وغيرها من المصادر التي تُعنى بالتاريخ والأعلام، وحَسْبُنا -هنا- أن نذكر أبرز ما ذكرته المصادر اللغوية في المقصود بـ(أبْـيَن).

وقد اختلف اللغويون في المقصود بـ(أبْـيَـن) على قولين:

أحدهما: أنه عَلَم على شخص

قال الجوهري ت(393ه): "وأبْـيَـن اسم رجل، نُسِب إليه عَدَن، فقيل: عَدَنُ أبْـيَـن"، وقال ابن سيده ت(458ه): "والعَدَنُ موضع باليمن، ويقال له أيضًا: عَدَن أبْيَن، نُسِبَ إلى أبْـيَـن رجل من حِمْيَر؛ لأنه عَدَن به: أي أقام".

وذَكَرَ أبو موسى الأصفهاني ت(581ه): "وفي الحديث: (عَدَن أبْيَن) وهي [أي عَدَن] مدينة يمنيّة أُضيفَتْ إلى أبْيَنَ: رَجُل من حِمْيَر عَدَن بها".

وقال الفيومي ت(770): و(أبْيَن) وِزانُ أحمر: اسم رجل من حِمْيَر بنى عَدَن، فنُسِبَتْ إليه، وقيل: (عَدَنُ أبْيَنَ).

وكذا قال المرتضى الزبيدي (1205ه): "وأبْيَن كأحْمَد: اسم رجل، نُسِبَتْ إليه عَدَن".

فهذه المصادر وغيرها تتفق على أنه عَلَمٌ على شخص، ثم اختلفوا في المسمّى: فقيل: هو أَبْيَنُ بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حِمْيَر بن سبأ كما عند ياقوت الحموي ت(626ه) في معجم البلدان، وقيل: هو ذو أبين بن ذي يقدم بن الصُّوّار بن عبد شمس بن وائل بن الغوث، كما عند أبي عُبيد البكري ت(487ه) في معجم ما استعجم، ونشوان الحميري ت(573ه) في شمس العلوم.

الآخَر: أنه عَلَمٌ على موضع.

حكى ابن سيده عن السيرافي "وقال: إبين موضع".

وقال ابن باطيش: "و(أبْيَنُ) بفتح الهمزة، وسكون الباء الموحَّدة، وياء، ونون: من مُدن اليَمَن المشهورة .

وذَكَرَ ابن الأثير في النهاية: "أبين بوزن أحمر قرية على جانب البحر ناحية اليمن، وقيل: هو اسم مدينة عدن".

وبتأمّل القولين نجد أنَّه لا منافاة بينها في الواقع، فالقول أنَّ (أبْيَن) عَلَمٌ على شخص قد يكون هذا في أوّل الأمر قبل أن يستوطن الناس في هذا الموضع، ومن ثَمَّ سُمّي هذا الموضع باسم هذا الرجل سواء كان اسم الرجل أَبْيَنُ بن زهير أم كان ذو أبين بن ذي يَقدمُ.

وأما سبب إضافة عَدَن إلى (أبْيَن) فالظاهر أنه للتفريق بين عَدَن القريبة من (أبْيَن) وغيرها؛ إذ كانت هناك مدن أخرى تُسمّى بـ(عَدَن) مثل (عَدَن لاعة)، فأضيفتْ عَدَن إلى أبْيَن لتمييز عدن المقصودة عن غيرها، وأما قول أكثر المصادر: إنَّ عَدَن أُضيفَتْ إلى أبْيَن لأن أبْيَن قد عَدَن بها، أي: أقام فظنٌّ مرجوح، شاع في المصادر بسبب نقل تتابع المتأخر في النقل عن المتقدّم، ولهذا الخلط في بعض المنقول، كما جاء في غريب الحديث بصيغة التمريض: "وقيل: هو [أبين] اسم مدينة عَدَن" ،وقال السيرافي: "أبين موضع بعدن" وقال الفيومي: إن عَدَن أضيفتْ إلى أبين لأنه هو بانيها.

ولعلَّ المرتضى الزبيدي قد لخّص هذه المسألة بقوله فيما نَقَلَه: إنّ الفاضل اليمنيّ -وهو أعرف ببلاده كما قال الزبيدي- قال في حواشي الكشاف: أبْيَن: اسم قصبة بينها وبين عَدَن ثمانية فراسخ، أُضيفتْ إليها لأدنى ملابسة...وأضيفتْ عَدَن إلى أبين لقربها منها بدليل أن هناك (عَدَنَ) أخرى أُضيفتْ إلى (لاعة).

وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس، وهو الأكثر إقناعًا. 

مواقيت الصلاة
الفجر الظهر العصر المغرب العشاء
حالة الطقس
صنعاء عدن تعز اب حضرموت
10 c 30 c 20 c 25 c 35 c
القائمة البريدية
الفيس بوك

جميع الحقوق محفوظة لقناة رشد الفضائية